ابن عجيبة
133
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَلَمَّا جاءَهُمْ أي : اليهود ، القرآن مصدقا لِما مَعَهُمْ من التوراة ، أي : موافقا له وشاهدا له بالصحة ، وقد كانوا قبل ظهوره يستنصرون على أعدائهم بالنبي الذي جاء به ، فيقولون : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان ، الذي نجد نعته في التوراة ، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : ( قد أظلّ زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ) ، فلما ظهر وعرفوه كّفّروا به فَلَعْنَةُ اللَّهِ عليهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ؛ للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم ، فاللام في الْكافِرِينَ للعهد ، وهم كفار اليهود ، أو للجنس ، فتكون اللعنة عامة لكل كافر ، ويدخلون فيها دخولا أولياء ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ترى كثيرا من الناس إذا ذكر لهم الأولياء المتقدمون أقروهم وصدقوهم ، وإذا ذكر لهم أولياء أهل زمانهم أنكروهم وجحدوهم ، مع كونهم يستنصرون بأهل زمانهم في الجملة . فهذه نزعة يهودية ، آمنوا ببعض وكفروا ببعض . والناس في إثبات الخصوصية ونفيها على ثلاثة أقسام : قسم أثبتوها للمتقدمين ، ونفوها عن المتأخرين ، وهم أقبح العوام ، وقسم أقروها قديما وحديثا ، وقالوا : إنهم أخفياء في زمانهم ، فحرمهم اللّه بركتهم ، وقوم أقروا الخصوصية في أهل زمانهم ، وعرفوهم وظفروا بهم وعظموهم ، وهم السعداء الذين أراد اللّه أن يوصلهم إليه ويقربهم إلى حضرته . وفي الحكم : « سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » . وباللّه التوفيق . ثم أشار الحق تعالى إلى تسفيه رأى اليهود حيث استبدلوا الإيمان بالكفر ، والربح بالخسران ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 90 إلى 91 ] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 90 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 ) قلت : بئس ونعم : فعلان جامدان مختصان بالدخول على ما يدل على العموم ، إما نكرة ، فتنصب على التمييز المفسر للضمير الفاعل ، أو معرف بأل الجنسية ، فيرتفع على الفاعلية ، تقول : بئس رجلا زيد ، وبئس الرجل زيد ، ويذكر بعد ذلك المخصوص : إما خبر عن مبتدأ مضمر ، أو مبتدأ والخبر مقدم . وإنما اختصّتا بالدخول على ما يدل على العموم ؛ لأن ( نعم ) مستوفية لجميع المدح ، و ( بئس ) مستوفية لجميع الذم . فإذا قلت : نعم الرجل زيد ، فكأنك قلت : استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه ، وكذلك تقول في بئس .